ابن يعقوب المغربي
538
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ومعنى ، فهذا هو كمال الانقطاع الذي يمنع العطف عند انتفاء الإيهام ، ولكن كون ما ذكر مانعا من العطف بالاتفاق إنما هو باعتبار مقتضى البلاغة ، وما يجب أن يراعى فيها . وأما عند أهل اللغة ففيه الخلاف ، ومن منع فلا إشكال ، ومن جوز كأن يقال مثلا : " حسبي اللّه ونعم الوكيل " بناء على أن إحدى الجملتين خبر ، والأخرى إنشاء فتجويزه إذا لم تراع البلاغة ، كذا قيل ، وفيه نظر ؛ لأن الجائز لغة ما لم يكن نادرا ينافي البلاغة ، وإن أريد أن الفصل عند كمال الانقطاع واجب في مقام ممتنع في آخر ، فهذا مما لم يذكروه ، ولم يتعرضوا له أصلا ؛ بل صريح كلامهم أي : كمال الانقطاع هو كمال الفصل ، فالأقرب أن يقال : البيانيون على القول بامتناع الوصل الذي هو العطف في كمال الانقطاع الذي هو كون إحدى الجملتين خبرا والأخرى إنشاء ، تأمله . ثم مثل لكمال الانقطاع فقال ( نحو ) قوله ( وقال رائدهم ) " 1 " وهو الذي يتقدم القوم لطلب الماء والكلأ للنزول عليه ولا يكون غالبا إلا عريفهم ( أرسوا ) أي : أقيموا بهذا المكان الملائم للحرب ، وهو مأخوذ من أرسيت السفينة حبستها في البحر بالمرساة ، وهي حديدة تلقى في الماء متصلة بالسفينة فتقف ، وقد تطلق المرساة بفتح الميم على البقعة التي رست فيها السفينة ( نزاولها ) أي : نحاول أمر الحرب ، ونعالجها : أي : نحتال لإقامتها بأعمالها وتمام البيت : فكل حتف امرئ يجرى بمقدار أي : لا يمنعكم من محاولة إقامة الحرب بمباشرة أعمالها خوف الحتف ، وهو الموت فإن المرء لا يجرى عليه حتفه إلا بقدر اللّه وقضائه ، باشر الحرب أم لا ، فلا الجبن ينجى منه حتى يرتكب ، ولا الإقدام يوجبه حتى يجتنب . وحاصله : الأمر بإقامة أمر الحرب والتشجيع على لقائها بسبب العلم بأن الشجاعة لا توجب حتفا كما أن الجبن لا ينجى منه ؛ لأن الأمور كلها بالمقادير ومنها الحتف فقوله : " أرسوا " جملة إنشائية لفظا ومعنى وقوله " نزاولها " جملة خبرية لفظا
--> ( 1 ) البيت للأخطل في خزانة الأدب ( 9 / 87 ) ، ومعاهد التنصيص ( 1 / 271 ) ، وبلا نسبة في شرح المفصل ( 7 / 51 ) .